صفي الرحمان مباركفوري
210
الرحيق المختوم
ذلك لئلا يغتروا بشجاعتهم وبسالتهم ، فتتسور نفوسهم الغطرسة والكبرياء ، بل ليتوكلوا على اللّه ويطيعوه ويطيعوا رسوله عليه الصلاة والسلام . ثم بين لهم الأهداف والأغراض النبيلة التي خاض الرسول صلى اللّه عليه وسلم لأجلها هذه المعركة الدامية الرهيبة ، ودلهم على الصفات والأخلاق التي تسببت في الفتوح وفي المعارك . ثم خاطب المشركين والمنافقين واليهود وأسارى المعركة ، وعظهم موعظة بليغة ، تهداهم إلى الاستسلام للحق والتقيد به . ثم خاطب المسلمين حول موضوع الغنائم ، قنّن لهم مبادئ وأسس هذه المسألة . ثم بين وشرع لهم من قوانين الحرب والسلم ما كانت الحاجة تمس إليها بعد دخول الدعوة الإسلامية في هذه المرحلة ، حتى تمتاز حروب المسلمين عن حروب أهل الجاهلية ، ويقوم لهم التفوق في الأخلاق والقيم والمثل ، ويتأكد للدنيا أن الإسلام ليس مجرد وجهة نظرية ، بل إنه يثقف أهله عمليا على الأسس والمبادئ التي يدعو إليها . ثم قرر بنودا من قوانين الدولة الإسلامية التي تقيم الفرق بين المسلمين الذين يسكنون داخل حدودها ، والذين يسكنون خارجها . وفي السنة الثانية من الهجرة فرض صيام رمضان ، وفرضت زكاة الفطر ، وبينت أنصبة الزكاة الأخرى ، وكانت فريضة زكاة الفطر وتفصيل أنصبة الزكاة الأخرى ، تخفيفا لكثير من الأوزار التي يعانيها عدد كبير من المهاجرين اللاجئين ، الذين كانوا فقراء لا يستطيعون ضربا في الأرض . ومن أحسن المواقع وأروع الصدفات أن أول عيد تعيد به المسلمون في حياتهم هو العيد الذي وقع في شوال سنة 2 ه . إثر الفتح المبين الذي حصلوا عليه في غزوة بدر ، فما أروع هذا العيد السعيد الذي جاء به اللّه بعد أن توج هامتهم بتاج الفتح والعز ، وما أروق منظر تلك الصلاة التي صلوها بعد أن خرجوا من بيوتهم يرفعون أصواتهم بالتكبير والتوحيد والتحميد ، وقد فاضت قلوبهم رغبة إلى اللّه ، وحنينا إلى رحمته ورضوانه بعد ما أولاهم من النعم ، وأيدهم به من النصر ، وذكرهم بذلك قائلا : وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآواكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ [ الأنفال : 26 ] .